سياسة العراق المائية في ظل أزمة الجفاف والاستراتيجية التفاوض مع تركيا

تُعد أزمة المياه في العراق من أخطر التحديات الاستراتيجية التي تهدد الأمن الوطني في القرن الحادي والعشرين. يعتمد العراق اعتمادًا شبه كامل على نهري دجلة والفرات وروافدهما، التي تنبع من خارج أراضيه، مما يجعله عرضة للسياسات المائية لتركيا وإيران. ومع تزايد حدة التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة وانخفاض الإيرادات المائية، تفاقمت الآثار السلبية على الزراعة و الأمن الغذائي و الاقتصاد  والاستقرار والاجتماعي. ولذلك تتعامل تركيا مع دجلة والفرات كأنهما أنهار عابرة للحدود، ما يمنحها مساحة أوسع من السيطرة المائية، بينما يتمسك العراق بمبدأ الاستخدام المنصف والمعقول وفق اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997. ضعف الموقف التفاوضي العراقي وتراجع الأداء المؤسسي سهّلا لتركيا تنفيذ مشاريع عملاقة مثل سد إليسو ضمن مشروع GAP، فيما قامت بعض الدول مثل إيران بتحويل مسارات بعض الأنهار المشتركة لصالحها مما يشكل تأثير كبيرا      وسلبياَ على  العراق

لمواجهة هذه التحديات، يحتاج العراق إلى استراتيجية متعددة المسارات تشمل الدبلوماسية، التعاون الإقليمي، الاستفادة من القانون الدولي، وربط ملف المياه بالاقتصاد والتجارة. داخليًا، ينبغي تطوير أنظمة الري، الاستثمار في مشاريع حصاد المياه والتحلية، وإنشاء مجلس وطني للمياه. تبني هذه الإجراءات بشكل متكامل سيعزز من قدرة العراق على حماية أمنه المائي وضمان استدامته للأجيال القادمة.

حيث يمثل ملف المياه في العراق قضية محورية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي والسيادة الوطنية. فالعراق بلد نهري بامتياز، إلا أن موارده المائية تعتمد بشكل شبه مطلق على منابع تقع خارج حدوده، الأمر الذي جعله عرضة لتقلبات السياسات المائية الإقليمية. ومع تصاعد التغير المناخي وزيادة الطلب المحلي، تحولت أزمة المياه من كونها أزمة قطاعية إلى أزمة وجودية ذات انعكاسات مباشرة على الأمن الغذائي والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي.

 

التحديات الراهنة :

  • انخفاض الإيرادات المائية: سجلت واردات نهر دجلة انخفاضًا بنسبة تصل إلى 50% خلال مواسم ملء السدود التركية، ما تسبب بجفاف واسع في الأراضي الزراعية.
  • التغير المناخي: ارتفاع درجات الحرارة بمعدل يفوق 1.5 درجة مئوية خلال العقدين الأخيرين، وزيادة معدلات التبخر، مما ضاعف من شدة الجفاف.
  • الإدارة الداخلية للمياه: استمرار الاعتماد على طرق ري تقليدية قديمة تستهلك أكثر من 70% من الموارد المائية.
  • السياسات الإقليمية: لجوء إيران إلى تحويل مجاري بعض الأنهار المشتركة مع العراق، ما أدى إلى تفاقم الأزمة في عدة محافظات.

التحليل السياسي :

1- تعتبر تركيا دجلة والفرات أنهارًا عابرة للحدود، وهو ما يمنحها – وفق مبدأ السيادة المطلقة  حرية أكبر في استغلال المياه.

2- العراق يستند إلى مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، التي تؤكد الطابع الدولي للأنهار المشتركة.

3- ضعف الأداء المؤسسي وغياب التنسيق السياسي الداخلي أديا إلى تراجع الموقف التفاوضي العراقي.

4- المحاصصة السياسية والبيروقراطية عطلت إنشاء بنية تحتية مائية حديثة، ما جعل البلاد أكثر هشاشة أمام التغيرات الإقليمية والمناخية.

الاستراتيجيات التفاوضية المقترحة :

  • المسار الدبلوماسي: تكثيف اللقاءات الرسمية وتوقيع بروتوكولات ملزمة بإشراف الأمم المتحدة لضمان حصص عادلة.
  • المسار الفني: تبادل البيانات الهيدرولوجية وإنشاء غرفة عمليات مشتركة لإدارة الأزمات المائية.
  • المسار الاقتصادي: ربط ملف المياه بملفات الطاقة والتجارة كورقة ضغط تفاوضية على تركيا.
  • المسار القانوني: تدويل القضية عبر الأمم المتحدة والمحاكم الدولية في حال فشل المفاوضات الثنائية.
  • المسار الإقليمي والدولي: تنسيق المواقف مع سوريا وإيران لبناء جبهة موحدة وضمان دعم المجتمع الدولي.

الحلول الوطنية المقترحة :

  • الاستثمار في مشاريع حصاد مياه الأمطار وتبطين القنوات المائية.
  • إدخال أنظمة ري حديثة لترشيد استهلاك المياه.
  • إنشاء مجلس وطني مستقل للمياه يضم خبراء في القانون الدولي والهيدرولوجيا والدبلوماسية.
  • تعزيز الشفافية ونشر بيانات دقيقة حول الموارد المائية لتعبئة الدعم المحلي والدولي.
  • التوسع في مشاريع تحلية المياه ومعالجة الصرف الصحي ضمن خطط استراتيجية طويلة الأمد.

أزمة المياه في العراق أزمة وجودية ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي والتنمية المستدامة. مع استمرار التغير المناخي وتزايد الضغوط الإقليمية، يصبح من الضروري تبني رؤية استراتيجية متكاملة تجمع بين أدوات الدبلوماسية، الإصلاح المؤسسي، الاستثمار في البنية التحتية، وتفعيل القانون الدولي إن بناء موقف تفاوضي موحد وتجاوز الانقسامات الداخلية يشكلان شرطًا أساسيًا لتعزيز قدرة العراق على حماية حصته المائية وضمان مستقبل مستدام للأجيال القادمة حيث تربط بين الجانب التركي والسوري والايراني من أجل سلامة تأمين المياه التي تعتبر من أهم العناصر الضرورية والمهمة للحياة

 

 

Scroll to Top