
تُعد الانتخابات أحد أبرز مظاهر النظم السياسية الديمقراطية، إذ تُشكّل المعيار الأهم لقياس شرعية تلك الأنظمة ورضا الشعوب عنها. فهي الوسيلة التي يعبّر بها المواطن عن إرادته، ويساهم من خلالها في تشكيل السلطات التشريعية والتنفيذية التي تتولى إدارة شؤونه. لذلك، فإن الانتخابات ظاهرة صحية تعبّر عن حيوية النظام السياسي ومدى انخراط المواطن في عملية بناء الدولة.
وفي الأنظمة الديمقراطية الرصينة، تكون الانتخابات موسماً للتنافس النزيه بين البرامج والكفاءات، حيث يسعى المرشحون إلى نيل ثقة الناخبين عبر طرح رؤى واستراتيجيات تنموية واضحة. وعند الفوز، يكون المنتخب مسؤولاً أمام شعبه، خاضعًا للمساءلة والمحاسبة، لا متسلطًا أو متحكمًا بلا رقيب.
تحول خطير في المشهد الانتخابي العراقي:
لكن، ومع الأسف، فإن الواقع الانتخابي في العراق يكشف عن تحوّل خطير في مفهوم وأدوات التنافس. فبدلًا من أن تكون الانتخابات محطة لتقديم البرامج والخطط، تحوّلت لدى العديد من القوى السياسية، وبالأخص الكتل السياسية الكبرى، إلى ساحة صراع على النفوذ والغنائم. ولم يعد الهدف من الترشح هو الخدمة العامة، بل أصبح الوصول إلى المنصب غاية بحد ذاتها لتحقيق مكاسب شخصية.
ويزداد القلق حين تتحول المنافسة إلى حرب مفتوحة تُستخدم فيها أدوات التسقيط، والمال السياسي، والتحشيد الطائفي والعشائري. فقد أصبح واضحًا أن بعض الكتل لا تتورع عن إثارة النعرات والانقسامات، حتى داخل المكونات الاجتماعية نفسها، من أجل إقصاء المنافسين.
تهديد مباشر للنسيج الوطني:
ولعل الخطورة لا تكمن فقط في استخدام أساليب غير نزيهة، بل في الأثر الذي تتركه هذه الممارسات على النسيج الاجتماعي الهش. فبدلًا من أن تكون الانتخابات وسيلة لتوحيد الصفوف، باتت أداة لزرع الفتنة والانقسام داخل المكونات العرقية والطائفية والقبلية. بل إن بعض الحملات الانتخابية باتت تهدد فعليًا بانفجار نزاعات أهلية، ليس على أساس طائفي كما في السابق، بل على أسس فئوية وعشائرية ومناطقية ضيقة.
وتبرز أمثلة عديدة على ذلك، مثل الصراع بين كتلة “دولة القانون” وكتلة “الإعمار والتنمية” في مناطق بغداد والوسط والجنوب، أو ما يحدث بين “تقدّم” وتحالف “العزم” في مناطق غرب وشمال العراق، حيث تتعرض القوى الصاعدة لمحاولات منهجية للإقصاء عبر التشويه والتحريض.
المال السياسي والجيوش الإلكترونية:
ومن مظاهر الانحراف الخطيرة في العملية الانتخابية، الإفراط في استخدام المال السياسي، حيث تتجاوز نفقات بعض المرشحين ما قد يتقاضاه عضو البرلمان خلال دورة كاملة، مما يطرح تساؤلات جدية حول مصادر التمويل؟ والعائد المتوقع من هذا “الاستثمار” السياسي؟ كما يُلاحظ الاعتماد الواسع على الجيوش الإلكترونية لتشويه سمعة المنافسين، بدل التنافس على أساس البرامج والقدرات!
غياب الرقابة وتراجع الثقة:
إن استمرار هذا النمط من السلوك الانتخابي لا يهدد فقط مصداقية العملية الديمقراطية، بل يُفقد المواطن الثقة في جدوى الانتخابات، ويعمّق الشعور باللاجدوى السياسية. والأسوأ من ذلك، أن الجهات الرقابية تبدو غائبة أو غير فاعلة أمام هذا الانفلات، مما يطرح تساؤلات ملحّة:
أين دور المفوضية؟
أين القوانين التي تنظم الإنفاق الانتخابي؟
ومن يضع حدًا لاستغلال النفوذ والمال العام في هذه الحملات؟
وفي الختام، إن الانتخابات ليست مجرد أداة لتغيير الوجوه، بل هي عملية مصيرية تتعلق بمستقبل الدولة ووحدتها. وإذا لم يتم ضبطها وتأطيرها بقوانين صارمة تضمن التنافس النزيه وتحفظ السلم الأهلي، فإنها قد تتحول إلى أداة تدمير داخلي تهدم ما تبقى من الثقة بين المكونات المجتمعية.
وإن ما يحدث اليوم يستوجب وقفة جادة من الجهات المسؤولة، ومن العقلاء داخل القوى السياسية، لأن استمرار هذا المسار لا يهدد فقط نتائج الانتخابات، بل يهدد مستقبل العراق كدولة موحدة.