الذكاء الاصطناعي ومعركة السيادة الرقمية: امريكي أم صيني؟

أصبحت السيادة الرقمية اليوم إحدى أهم ساحات التنافس الدولي، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين

بدأت الفكرة من مكالمة هاتفية عفوية ودعوة عشاء في أحد مطاعم منطقة اليرموك ببغداد مع الصديق العزيز عبد الملك الحسيني. في خضم الحديث، استعرض صديقي بحماس تجربته بعد شراء سيارة صينية حديثة، مسلطا الضوء على ما تتضمنه من تكنولوجيا متطورة ومواصفات منافسة تجعل سعرها لا يتجاوز نصف أو ثلث تكلفة نظيراتها الألمانية أو اليابانية أو الأمريكية.

يقود هذا المشهد العابر إلى معادلة بديهية في سلوك المستهلك الفردي، حيث يحكم القرار في الغالب مبدأ القيمة مقابل السعر إلى جانب اعتبارات الاعتمادية وسمعة العلامة التجارية. لكن المسألة تأخذ بعدا مغايرا تماما حين تنتقل من حيز الخيار الشخصي إلى فضاء القرار السيادي للدولة.

في عصر الأتمتة الشاملة والتحول الرقمي، حيث تدار الملفات الأمنية والخدمية الحيوية عبر منظومات الحوسبة والبيانات، كيف يمكن لصانع القرار أن يحدد الشريك التكنولوجي الأنسب لتشييد البنى التحتية الرقمية وتطوير البرمجيات وتدريب الموارد البشرية؟ يزداد هذا التساؤل إلحاحا وحرجا في بلد مثل العراق؛ البلد الذي يفتقر حاليا للقدرة على إنتاج المعرفة التكنولوجية ذاتيا، ويقبع في خانة المستورد المطلق، أو في أفضل توصيف واقعي: « مستخدم برو ماكس » لأدوات لا يملك شيفرتها المصدرية.

من هذه النقطة الشائكة، يفتح هذا المقال ملف السيادة التكنولوجية وسؤال الخيارات الاستراتيجية للدول المستهلكة في خضم الصراع الرقمي العالمي.

لم يعد مفهوم حماية الوطن مقتصرا على تأمين حدوده الجغرافية ومجاله الجوي، بل امتد في عصرنا الحالي ليشمل ما يعرف بـ “السيادة التكنولوجية”. لقد تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة مركزية تعيد رسم موازين القوى العالمية، حيث ترتبط تطبيقاته اليومية والمدنية ارتباطا وثيقا بالقدرات العسكرية والاستخباراتية. وبناء على ذلك، لم يعد اختيار الدولة للأجهزة والخوادم والبرمجيات قرارا تجاريا أو تقنيا يبحث عن أقل الأسعار وأفضل كفاءة فحسب، بل هو خيار مصيري يمس أمنها القومي واستقلال قرارها السياسي بصورة مباشرة.

مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي وأبعاده

يقصد بالذكاء الاصطناعي السيادي امتلاك الدولة القدرة الكاملة على بناء وتشغيل وتطوير أنظمتها الذكية بالاعتماد على بنيتها التحتية الخاصة وكوادرها الوطنية، وتحت مظلة قوانينها المستقلة. وتتكامل هذه السيادة من خلال ثلاثة أركان أساسية؛ أولها سيادة البيانات عبر ضمان تخزين المعلومات الوطنية ومعالجتها داخل الحدود الجغرافية للدولة فقط. ويرتبط بذلك الركن الثاني وهو سيادة النماذج البرمجية، أي امتلاك الشفرات والأوزان الأساسية لهذه النماذج لتشغيلها محليا دون الحاجة للاتصال بخوادم أجنبية قد تقطع الخدمة في أي لحظة. وأخيرا تأتي السيادة المعرفية والسياقية، لحماية الاستفسارات والوثائق الحساسة وصناع القرار من التسرب أثناء استخدام هذه الأنظمة إلى سحب رقمية خارجية تحللها وتستخرج منها معلومات استخباراتية دقيقة.

التبعية التكنولوجية ونفوذ الشركات العملاقة

يشهد العالم اليوم تحول البنية التحتية للتقنية إلى وسيلة ضغط وإكراه بين القوى الكبرى. فالاعتماد على خوادم أو شرائح إلكترونية مستوردة يخلق تبعية غير متكافئة، حيث تستطيع الدول المالكة للتقنية مراقبة تدفق البيانات أو خنق الوصول إلى الرقائق المتقدمة ومراكز المعالجة في أوقات الأزمات. وتبرز في هذا المشهد شركات التكنولوجيا العملاقة كأطراف نافذة تتحكم فيمن يحق له استخدام هذه القدرات الحسابية، مما يضع الحكومات في موقف تفاوضي ضعيف ويجعلهن رهينة لقرارات تتخذ في مجالس إدارات أجنبية ووفق مصالحها الخاصة.

المخاطر الأمنية وتأثيرها على القرار العسكري

يمس الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي الخارجية صلب المؤسسات الدفاعية والأمنية؛ فالأنظمة الحديثة تتطلب سرعة فائقة في اتخاذ القرارات التكتيكية بناء على تحليل البيانات الميدانية. وإذا كانت البنية التحتية معتمدة على جهات خارجية، فإن مخاطر انقطاع الخدمة أو التأخير التشغيلي وقت النزاعات قد تؤدي إلى شلل كامل في منظومات القيادة والسيطرة. يضاف إلى ذلك التهديدات السيبرانية المرتبطة بوجود ثغرات أو مفاتيح تعطيل عن بعد في الأجهزة المستوردة، فضلا عن التحيزات الفكرية والثقافية التي تزرعها النماذج الأجنبية في تحليلاتها، بما قد يوجه الرأي العام أو يؤثر على قناعات صناع القرار الداخليين.

المفاضلة بين المعسكرين الأمريكي والصيني

تجد الدول نفسها اليوم أمام خيار استراتيجي معقد بين نظامين تكنولوجيين متنافسين. يتميز المعسكر الأمريكي بتفوقه الكاسح في تصنيع الشرائح فائقة الأداء والنماذج المتقدمة، لكنه يفرض في المقابل شروطا سياسية صارمة تتطلب الاصطفاف الأمني الكامل والتخلي عن التقنيات المنافسة، مع إمكانية وصول الأجهزة الأمريكية للبيانات بموجب قوانينها الداخلية. وفي المقابل، يوفر المعسكر الصيني بدائل منخفضة التكلفة وخالية من الشروط السياسية المباشرة، مع التركيز على التطبيقات الصناعية وأنظمة المراقبة، غير أن التوجه الكامل نحوه قد يحرم الدولة من أحدث التقنيات الغربية ويضعها تحت طائلة العقوبات وضوابط التصدير الدولية، فضلا عن المخاطر المتعلقة بالرقابة والخصوصية.

تجربة الإمارات: ثمن الشراكة والاصطفاف التكنولوجي

تعد تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجا واقعيا يوضح كيف يمكن للبنية التحتية المتقدمة أن تفرض قيودا جيوسياسية حاسمة على خيارات الدول. ففي إطار سعي الإمارات لبناء مركز إقليمي رائد للذكاء الاصطناعي واستيراد أحدث شرائح المعالجة الأمريكية، دخلت شركة “G42” الإماراتية في شراكة استراتيجية كبرى مع شركة “مايكروسوفت” الأمريكية. ولإتمام هذه الشراكة والحصول على الموافقات الرسمية وتراخيص التصدير من واشنطن، كان الثمن تقديم تنازلات تتعلق بتوجهات التعاون الخارجي؛ حيث طلب فك الارتباط التكنولوجي بالكامل مع الشركات الصينية، وإزالة معدات شركة “هواوي” من الشبكات والبنية التحتية، والخضوع لبروتوكولات تدقيق أمنية صارمة لضمان حماية التكنولوجيا المتقدمة. يوضح هذا المثال أن تبني التكنولوجيا الغربية الرائدة لا يتوقف عند حدود التمويل والاستثمار، بل يتطلب في كثير من الأحيان اصطفافا استراتيجيا يحد من حرية بناء تحالفات تكنولوجية موازية مع قوى عظمى أخرى.

استراتيجية الاعتماد المتبادل المدار

بما أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في جميع طبقات التكنولوجيا يعد أمرا شبه مستحيل لمعظم دول العالم، تبرز استراتيجية “الاعتماد المتبادل المدار” كحل عملي لحماية السيادة الوطنية. وتقوم هذه الرؤية على تنويع الشركاء ومصادر التوريد لتجنب الوقوع في احتكار أي طرف، مع التحول نحو استخدام النماذج مفتوحة المصدر وتعديلها وتشغيلها داخل جدران حماية وطنية مغلقة ومعزولة شبكيا. كما يتطلب هذا المسار تعزيز الفحص الأمني الصارم لكل المكونات والبرمجيات المستوردة لضمان خلوها من أي أدوات تجسس أو ثغرات تخريبية، وربط البنية التحتية الرقمية بمصادر الطاقة الوطنية، حفاظا على استقلالية القرار وحماية المقومات الجوهرية للأمن القومي في عصر التنافس الرقمي.

Scroll to Top