
تُعيد الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، ولا سيما تلك التي تتزامن مع الأعياد اليهودية وتشارك فيها شخصيات سياسية ووزراء في الحكومة الإسرائيلية، إلى الواجهة ذاكرة جريمة حرق المسجد الأقصى التي ارتكبها المتطرف الأسترالي دينيس مايكل روهان عام 1969. غير أن استحضار تلك الجريمة لا ينبغي أن يقف عند حدود المقارنة التاريخية؛ فالمشهد الراهن يكشف عن تحوّل أكثر تعقيدًا في أدوات التعامل مع المسجد الأقصى: من منطق الصدمة إلى منطق التدرّج، ومن الفعل الاستثنائي إلى التطبيع التدريجي، ومن محاولة فرض التغيير دفعة واحدة إلى إعادة تشكيل الواقع خطوةً خطوة.
فالحرق كان فعلًا صادمًا ومباشرًا، وقد أثار موجة واسعة من الغضب الإسلامي والدولي، وأسهم في الدفع نحو إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي آنذاك. أما اليوم، فتبدو الأدوات أكثر تدرّجًا وأقل اعتمادًا على الصدمة المباشرة؛ إذ يجري العمل على إعادة تعريف ما هو استثنائي باعتباره اعتياديًا، وما هو مرفوض باعتباره أمرًا واقعًا، وما كان ممنوعًا باعتباره ممارسة قابلة للتكرار.
وهنا تكمن خطورة استراتيجية التدرّج؛ فهي لا تستهدف تغيير الواقع في لحظة واحدة، وإنما تسعى إلى تعديل حدوده تدريجيًا، بحيث تصبح كل خطوة مقدمة نفسية وسياسية وقانونية للخطوة التي تليها. وبعبارة أخرى، فإن المعركة لا تدور فقط حول السيطرة على المكان، وإنما حول إعادة هندسة قواعد السلوك داخله، وتغيير مفهوم السيادة الفعلية عليه، وإنتاج «أمر واقع» جديد عبر تراكم الممارسات.
وتوفر الأعياد اليهودية مساحة زمنية وسياسية مناسبة لتكثيف هذه الممارسات؛ إذ تتحول المناسبة الدينية إلى إطار للحشد الشعبي والإعلامي، وإلى فرصة لرفع أعداد المشاركين في الاقتحامات وإظهار الطقوس بصورة جماعية وعلنية. وهنا تظهر أهمية «التعبئة الرمزية»؛ فالحضور الجماعي، والطقوس الدينية، والرموز، والتغطية الإعلامية، لا تؤدي وظيفة دينية فقط، وإنما تنتج رسالة سياسية مرتبطة بالمكان، وحق الوجود فيه، وطبيعة السيطرة عليه.
جماعات الهيكل ومنطق تغيير “الوضع القائم”!؟
وفي هذا السياق، برزت جماعات «الهيكل» بوصفها أحد مكونات التيار الداعي إلى تغيير الواقع القائم في المسجد الأقصى، وإن كانت هذه الجماعات متعددة في توجهاتها وأدواتها ودرجة حضورها السياسي والميداني. وتتبنى تيارات داخل هذا المعسكر تصورات تتراوح بين الدعوة إلى تكثيف الوجود اليهودي في الأقصى، والسعي إلى فرض الصلاة والطقوس اليهودية فيه، وصولًا، لدى تيارات أكثر تطرفًا، إلى المطالبة بإقامة «الهيكل» مكان المسجد.
ومن هنا تأتي أهمية مفهوم «الوضع القائم» (Status Quo)؛ لأن الصراع لا يتعلق فقط بما يحدث داخل الأقصى، بل أيضًا بمحاولات إعادة تفسير هذا الوضع أو تعديله بصورة تدريجية. وكل تغيير في قواعد الحركة أو العبادة أو الإدارة يمكن أن يتحول، إذا استمر وتكرر، إلى سابقة تستند إليها المطالب اللاحقة. ولهذا، فإن الخطر الاستراتيجي لا يكمن في حادثة منفردة بقدر ما يكمن في تراكم السوابق؛ إذ يمكن أن تؤدي عشرات التغييرات الصغيرة، مع مرور الوقت، إلى إنتاج تغيير كبير يصعب وصفه بأنه «طارئ» أو «استثنائي».
من التقسيم الزماني إلى احتمالات التقسيم المكاني!؟
وتزداد حساسية المشهد عند ربط هذه الممارسات بما يُطرح بشأن التقسيم الزماني والمكاني. فالتقسيم الزماني لا يبدأ بالضرورة بقرار رسمي، بل قد يبدأ بتحولات في أوقات الدخول، ثم في طبيعة الأنشطة داخل المكان، ثم في فرض طقوس محددة خلال مناسبات بعينها، قبل أن تتحول الممارسة المتكررة إلى مطلب سياسي أكثر وضوحًا.
وهنا يمكن الحديث عن «التدرّج الوظيفي»: خطوة تُنشئ سابقة، والسابقة تُنتج مطالبة، والمطالبة تتحول إلى تفاوض، ثم قد تصبح نتيجة التفاوض قاعدة جديدة.
والتجربة التاريخية في الحرم الإبراهيمي في الخليل تُستحضر في هذا السياق باعتبارها نموذجًا شديد الحساسية بالنسبة إلى الفلسطينيين، لما ترتب على أحداث عام 1994 وما أعقبها من ترتيبات قسمت أوقات العبادة ومساحات المكان بين المسلمين واليهود. ومن ثم، فإن استحضار تجربة الحرم الإبراهيمي لا يعني بالضرورة القول إن السيناريو سيتكرر بصورة مطابقة في الأقصى، وإنما يلفت الانتباه إلى كيفية تحوّل التغييرات المؤقتة أو الاستثنائية إلى ترتيبات مستقرة عندما تتراكم الوقائع على الأرض.
المعركة الحقيقية: منع “التطبيع مع التغيير”
لذلك، فإن أحد أخطر أبعاد المشهد الراهن يتمثل في محاولة تطبيع التغيير؛ أي جعل الجمهور العربي والإسلامي والدولي يتعامل مع الانتهاك الجديد باعتباره مجرد حلقة أخرى في سلسلة الأخبار اليومية. وهنا تكمن أهمية الوعي بأن «التدرّج» لا يعني بالضرورة أن كل خطوة منفردة هي نقطة التحول الكبرى، بل إن الخطر يكمن في الأثر التراكمي لهذه الخطوات. فالمعركة ليست فقط في منع حادثة بعينها، وإنما في منع تراكم الحوادث من أن يتحول إلى نظام جديد.
إن الانتقال من حرق الأقصى إلى اقتحامه بصورة متكررة لا يعني بالضرورة انتقالًا من جريمة إلى أخرى فحسب، بل يكشف عن تحوّل في أدوات تغيير الواقع: من الصدمة المباشرة إلى التدرّج، ومن الفعل المنفرد إلى التراكم، ومن محاولة فرض التغيير بالقوة العلنية إلى محاولة جعله جزءًا من المشهد اليومي.
ولهذا، فإن الخطر الأكبر ليس في الاقتحام باعتباره حدثًا منفردًا، وإنما في تحوله إلى ممارسة متكررة، والممارسة إلى عُرف، والعُرف إلى أمر واقع، والأمر الواقع إلى قاعدة سياسية يصعب تغييرها.
حينها تبدأ المواجهة الحقيقية: حماية المكان من التغيير، وحماية الوعي من التطبيع مع التغيير، وحماية الرواية من الاختزال، وحماية الوضع القائم عبر أدوات سياسية وقانونية وإعلامية متكاملة. فالمطلوب ليس فقط أن يبقى الأقصى قائمًا كما هو، وإنما ألّا تتحول الخطوات الصغيرة المتراكمة إلى واقع كبير يُكتشف بعد فوات الأوان.
