
في عام 2005، كنت شابا مفعما بالحياة، أقف على أعتاب التخرج من كلية الآداب، قسم اللغة العربية. بعد تسلّمي نتيجة الامتحان النهائي، خرجت من الجامعة برفقة مجموعة من الأصدقاء متوجهين إلى أحد مطاعم بغداد لتناول الغداء.
كانت شوارع بغداد يومها تعج بعبارة (يمضون ونبقى) المعلقة على اللوحات الإعلانية (البلبورد). أتذكر أنني قرأتها آنذاك بشيء من الأمل؛ كنت أعتقد أن مرحلة الاحتلال، أو ما يسمى بقوات التحالف الدولي، قد شارفت على نهايتها بعد إسقاط النظام، وأن المستقبل سيكون أكثر انفتاحا أمام جيلنا، وأن فرص العمل وبناء الحياة الكريمة ستكون أقرب مما كنا نتصور.
لم يخطر ببالي يومها أن العراق سيحتاج إلى عقدين آخرين ليواصل البحث عن شكل الدولة التي يريدها، ولا أن الطريق سيمر بكل هذه التقلبات السياسية والأمنية والاقتصادية.
وبعد نحو عقدين، وأنا أتابع مؤتمر إنهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول، وقائد التحالف يختم كلمته بالمثل العراقي (أتحزم للواوي بحزام سبع)، عاد شريط السنوات الماضية سريعا إلى ذاكرتي.
تذكرت بغداد التي عرفتها في 2005، وتذكرت أحلام ذلك الجيل، ثم بدأت تتوالد في رأسي مجموعة من الأسئلة.وهذه السطور ليست محاولة لتقديم إجابات نهائية، بقدر ما هي مجموعة أفكار وتساؤلات أضعها أمام القارئ (افكر بصوت عالي)، بحثا عن قراءة أهدأ لما قد يحمله المستقبل.
لماذا خرج التحالف الدولي الآن؟
الرواية الرسمية لإنهاء مهمة التحالف الدولي ترتبط بتراجع خطر تنظيم داعش وارتفاع مستوى جاهزية القوات الأمنية العراقية. لكن قراءة المشهد من زاوية أوسع تفتح الباب أمام عوامل استراتيجية أخرى.
خلال السنوات الأخيرة، أصبح الوجود العسكري الأجنبي في العراق جزءا من صراع إقليمي أوسع، وتحولت بعض القواعد والمنشآت التي تستضيف قوات التحالف إلى نقاط يمكن استهدافها بالصواريخ والطائرات المسيّرة، الأمر الذي جعل استمرار الوجود العسكري المباشر أكثر كلفة وتعقيدا.
وفي المقابل، يبدو أن واشنطن باتت أكثر ميلا إلى إعادة ترتيب وجودها في المنطقة، والانتقال من نموذج الوجود العسكري الواسع إلى أدوات أكثر مرونة، تقوم على الشراكات الأمنية والاستخبارية والعسكرية الثنائية.
كما أن النفوذ الأمريكي في العراق لم يعد يعتمد على الوجود العسكري وحده؛ فالعلاقة الاقتصادية والمالية، وملفات الطاقة والدولار والنظام المصرفي، تمثل أدوات تأثير لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية.
وبذلك، يمكن النظر إلى إنهاء مهمة التحالف ليس بالضرورة بوصفه نهاية للعلاقة مع العراق، وإنما باعتباره انتقالا من صيغة إلى أخرى، ومن وجود عسكري متعدد الأطراف إلى شراكات أكثر انتقائية.
هل يمكن أن نشهد تغييرا في نظام الحكم وعودة سيناريو الحزب الواحد؟
السؤال الأكثر حساسية هو: هل يمكن أن يعيد العراق إنتاج نموذج حكم الفرد المطلق الذي عرفه في عهد النظام السابق؟ من الصعب تصور استنساخ التجربة السابقة بالشكل ذاته، فالعراق اليوم مختلف جذريا عن العراق الذي نشأ فيه النظام السابق. مراكز القوة متعددة، والسلاح موزع بين مؤسسات رسمية وقوى أمنية مختلفة، كما أن إقليم كردستان يمتلك خصوصية سياسية وأمنية واقتصادية، فضلا عن اختلاف البيئة الإقليمية والدولية.
لذلك، فإن أي محاولة لفرض مركزية مطلقة قد لا تقود بالضرورة إلى إعادة إنتاج حكم الفرد، بل قد تدفع البلاد إلى صدامات أوسع بين مراكز القوة. الخطر، إذا، قد لا يكون في عودة (الرئيس القائد)، وإنما في ظهور صيغة أخرى أكثر تعقيدا، تقوم على تعدد مراكز النفوذ وتداخل السياسة بالاقتصاد والسلاح.
إذا لم يعد حكم الفرد، فما شكل الاستبداد الذي يمكن أن يظهر؟
ربما يكون السؤال الأهم هنا: هل يمكن أن يتحول العراق من ديمقراطية توافقية متعثرة إلى نموذج آخر من الحكم، يحتفظ بالشكل الديمقراطي، لكنه يفرغ المنافسة السياسية من مضمونها؟
السيناريو الذي يستحق التأمل هو إمكانية تشكل (أوليغارشية سياسية وأمنية واقتصادية)، تتقاسم فيها مجموعة من القوى المؤثرة النفوذ والموارد ومفاصل القرار. في هذه الحالة، لن يكون هناك حزب واحد بالضرورة، وإنما شبكة من القوى التي تختلف في التفاصيل، لكنها قد تتفق على قواعد أساسية تحمي استمرار المنظومة. وقد يأخذ ذلك أشكالا مختلفة: تضييق المجال أمام المنافسين، استخدام البيروقراطية والقوانين في الصراع السياسي، التحكم بمصادر التمويل، والتأثير في المؤسسات الرقابية والإعلامية والانتخابية. و هنا تصبح الانتخابات موجودة، لكن السؤال الحقيقي يكون: هل تستطيع الانتخابات وحدها تغيير موازين القوة؟
على المدى البعيد، هل يمكن أن يمهّد خروج التحالف لظهور أحزاب تؤمن بالتفرد بالسلطة؟
خروج القوات الدولية لا يعني بالضرورة أن حزبا واحدا سيظهر ليبتلع الدولة ويقصي جميع الآخرين. الأقرب إلى منطق الواقع العراقي أن الصراع، إذا تصاعد، قد يكون بين مجموعة من القوى التي تمتلك بدرجات مختلفة النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
طوال العقدين الماضيين، كان وجود القوات الأمريكية والتحالف الدولي عاملا خارجيا في المعادلة العراقية، ومصدر توازن، كما كان في الوقت ذاته عنوانا تستخدمه قوى مختلفة في خطابها السياسي. ومع تراجع هذا العامل، قد ينتقل جزء أكبر من التنافس من مواجهة الخارج إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة. لكن ذلك لا يعني أن التفرد الكامل سيكون سهلا؛ فالتعدد المناطقي والمجتمعي والسياسي يجعل قيام قوة واحدة باحتكار الدولة أمرا بالغ التعقيد. لذلك، قد يكون السيناريو الأكثر احتمالا هو استمرار التنافس بين مراكز القوة، مع محاولة كل طرف توسيع نفوذه وتقليص نفوذ الآخرين.
وهل يمكن أن تتحول مكافحة الفساد إلى أداة لإقصاء الخصوم؟
هذه النقطة تستحق التوقف طويلا، فمكافحة الفساد، من حيث المبدأ، قضية دولة ومطلب مجتمعي لا خلاف عليه. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول ملفات الفساد إلى أدوات انتقائية في الصراع السياسي، بحيث يصبح فتح الملف أو إغلاقه مرتبطا بموقع الشخص أو الحزب في موازين القوى. عندها لا يعود السؤال: من ارتكب الفساد؟ بل يصبح السؤال: لماذا فتح الملف الآن؟ ولماذا أُغلق ملف آخر؟ ومن المستفيد من هذه المواجهة؟ وهذا النوع من الصراعات يمكن أن يؤدي، إذا استمر، إلى إضعاف المؤسسات الرقابية نفسها، لأن المجتمع يبدأ بالنظر إليها بوصفها أدوات في المنافسة السياسية بدلا من كونها مؤسسات مستقلة للدولة.
وهل ستتعامل أمريكا مع واقع سياسي جديد حتى لو تراجعت الممارسة الديمقراطية؟
هنا نصل إلى سؤال أكثر ارتباطا بالمستقبل الإقليمي للعراق. السياسة الأمريكية تاريخيا لا تقوم على عامل واحد. فالديمقراطية وحقوق الإنسان جزء من خطابها الرسمي، لكن المصالح الأمنية والطاقة والاستقرار الإقليمي والعلاقات الاقتصادية تمثل أيضا عناصر أساسية في صياغة سياستها الخارجية وربما تكون الاولوية القصوى.
ولهذا، فإن طبيعة تعامل واشنطن مع أي منظومة سياسية عراقية مستقبلية ستتأثر بدرجة كبيرة بقدرتها على الحفاظ على الاستقرار، وحماية المصالح الدبلوماسية، وضمان استمرار تدفق الطاقة، ومنع تحول العراق إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح. وهذا لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستتجاهل الديمقراطية أو حقوق الإنسان، لكنه يعني أن السياسة الخارجية غالبا ما تتحرك وفق مجموعة متداخلة من المصالح والحسابات. بمعنى آخر، قد يكون السؤال الأمريكي العملي في لحظة الأزمات: من يستطيع الحفاظ على الدولة ومنع انهيارها؟
فرضا: إذا اندلعت ثورة شعبية، فهل ستدافع أمريكا عن الأحزاب الحاكمة؟
من الصعب افتراض أن الولايات المتحدة ستدافع بصورة آلية عن أي حكومة أو حزب لمجرد أنه حافظ على علاقات جيدة معها. التاريخ الدولي يظهر أن الدول الكبرى تعيد حساباتها عندما تتغير موازين القوة على الأرض، وأن التحالفات ليست ضمانة مطلقة لبقاء أي نظام سياسي. في حالة حدوث حراك شعبي واسع، سيكون الموقف الأمريكي مرتبطا بعدة عوامل: حجم الحراك، طبيعة القوى المشاركة فيه، قدرة الحكومة على السيطرة، مستوى العنف، ومخاطر تحول الاحتجاج إلى فراغ أمني أو صراع مسلح. وقد تبدأ واشنطن، في مثل هذه الحالات، بمراقبة المشهد، ثم إعادة تقييم موقفها وفقا لموازين القوى والجهات القادرة على إدارة المرحلة التالية. فالدول لا تتعامل فقط مع من يحكم اليوم، بل تحاول أيضا معرفة من يستطيع إدارة الدولة غدا.
وهل تراقب أمريكا صراعات الإقصاء السياسي تحت عنوان مكافحة الفساد؟
من الطبيعي أن تكون واشنطن، مثل أي قوة دولية لها مصالح واسعة في العراق، مهتمة بمراقبة التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية. وإذا تحولت ملفات الفساد إلى أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى، فإن ذلك يصبح جزءا من المشهد الذي تراقبه السفارة الأمريكية ودوائر صنع القرار، خصوصا إذا امتدت آثاره إلى الاستقرار الأمني أو النظام المالي أو مصالح الشركات الأجنبية. لكن المراقبة لا تعني بالضرورة التدخل المباشر. فقد تتعامل واشنطن مع بعض الصراعات باعتبارها شأنا داخليا، بينما تتحرك عندما ترى أن الصراع بدأ يهدد مصالحها أو الاستقرار العام أو النظام المالي. وهنا تصبح العقوبات المالية، والضغط الدبلوماسي، والقيود المصرفية، والاتصالات السياسية، أدوات أكثر استخداما من التدخل العسكري المباشر.
بعد عشرين عاما.. ماذا بقي من سؤال (يمضون ونبقى)؟
ربما تكون هذه هي النقطة التي تعيدني إلى ذلك الشاب الذي خرج من الجامعة عام 2005، وكان يقرأ عبارة (يمضون ونبقى) على شوارع بغداد، معتقدا أن رحيل القوات الأجنبية سيعني تلقائيا بداية مرحلة جديدة للعراقيين. اليوم، وبعد نحو عقدين بعد ان اصبحت أربعينيا جادا، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: هل يمضون؟
بل أصبح:
ماذا سنفعل نحن بعد أن يمضوا؟ هل نستطيع بناء دولة لا تحتاج إلى وجود قوة خارجية كي تتوازن مكوناتها؟ هل نستطيع بناء مؤسسات يكون القانون فيها أقوى من الحزب، والدولة أقوى من السلاح، والانتخابات أقوى من المال والنفوذ؟ هل تستطيع القوى السياسية العراقية أن تنتقل من منطق اقتسام الدولة إلى منطق بناء الدولة؟ وهل يستطيع جيل الشباب الذي حلم في 2005 بفرصة عمل وحياة كريمة أن يجد أخيرا دولة تمنحه الاستقرار بعد ضياع شبابه في تلك الحقبة؟
ربما يكون خروج التحالف الدولي نهاية مرحلة، لكنه في الوقت نفسه بداية اختبار عراقي جديد. فالقضية في النهاية ليست في خروج القوات الأجنبية وحده، ولا في بقائها، وإنما في قدرة العراقيين على الإجابة عن السؤال الأكبر:
أي دولة نريد أن نبني بعد أن تنتهي كل الذرائع الخارجية؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي، وربما تكون السنوات المقبلة هي التي ستقدم الإجابة.
